جلال الدين السيوطي

431

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

ما الذي تنقمون من بثرات * ضاعفت حسنه وزادت حلاه وجهه في الصفاء والرقّة المسا * ء فلا غرو أن خبأت علاه وقال غيره : أحسن من هذا قول بعضهم : قالوا محا الجدريّ مهجته * قسما بربّ سنّي لقد كذبوا لكن ترقرق خمر زينته * فطفا على وجناته الحبب وحضر بين يدي ابن السّرّاج ولد له فقيل له : أتحبّه ؟ فأنشد : أحبّه حبّ الشحيح ماله * قد كان ذاق الفقر ثم ناله قال الصلاح الصفديّ : كان ابن السّرّاج إماما في النحو أديبا شاعرا مقبلا على الطرب والموسيقى ، عشق ابن يأنس المغنّي ، وغيره ، وله أخبار وهنات ، وكان يهوى جارية ، فجفته ، فاتفق وصول الخليفة المكتفي من الرّقة في تلك الأيام ، فاجتمع الناس لرؤيته ، فلما رآه ابن السّرّاج استحسنه ، وأنشد أصحابه : قايست بين جمالها وخصالها « 1 » * فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي حلفت لنا أن لا تخون عهودها * فكأنّما حلفت لنا أن لا تفي والله لا كلمتها ولو انّها * كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي فأنشدها أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن زنجي الكاتب لأبي العباس بن الفرات ، فأنشدها أبو العباس للقاسم بن عبيد الله بن الوزير ، فاجتمع الوزير بالمكتفي ، فأنشده إياها ، فقال : لمن هي ؟ فقال : لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر . فأمر له بألف دينار ، فوصلت إليه ، فقال : ابن زنجي ، ما أعجب هذه القصة ! يعمل أبو بكر بن السّرّاج أبياتا تكون سببا لوصول الرزق إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر . قال الصفديّ : هذه الأبيات في غاية الحسن ، ومع لطفها وحسن ما فيها من الاستطراد جاء فيها لزوم التاء قبل الفاء ، وقد تداولها الناس وملئوا بها مجاميعهم ، واشتهرت إلى أن قال ابن سناء الملك :

--> ( 1 ) في الوافي : ميزت بين جمالها وفعالها . انظر : 3 / 73 - 74 .